الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
325
تفسير روح البيان
يتجلى توحيد الذات وهو أعلى الدرجات * فعلى العاقل إكثار ذكر اللّه فإنه سبب لتصفية الباطن وصقالة القلب قال تعالى وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولا فلاح أعظم من أن يصل الطالب إلى المطلوب اللهم اجعلنا مفلحين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم على أن الخطاب للمنافقين ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً اى استسلموا للّه تعالى وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا . فالسلم بمعنى الاستسلام والطاعة وكافة حال من ضمير الفاعل في ادخلوا وهذه حال تؤكد معنى العموم في ضمير الجمع فان قولك قام القوم كافة بمنزلة قاموا كلهم وتاء كافة وقاطبة وعامة ليست للتأنيث وان كان أصلها ان تدل عليه بل انما دخلت لمجرد كون الكلمة منقولة إلى معنى كل وجميع أو المعنى ادخلوا في الإسلام بكليته ولا تخلطوا به غيره فالخطاب لمؤمني أهل الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعض احكام دينهم القديم كما روى أن عبد اللّه بن سلام وأصحابه كانوا يتمسكون ببعض شرائع التوراة من تعظيم السبت وتحريم لحم الإبل وألبانها وأشياء كانوا يرون الكف عن ذلك مباحا في الإسلام وان كان واجبا في شريعتهم فثبتوا على ذلك مع اعتقادهم حلها استيحاشا من مفارقة العادة وقالوا يا رسول اللّه ان التوراة كتاب اللّه فدعنا فلنقرأ منها في صلاتنا بالليل فقال عليه السلام ( لا تتمسكوا بشئ مما نسخ ودعوا ما ألفتموه ولا تستوحشوا من النزوع عنه ) فإنه لا وحشة مع الحق وانما هو من تزيين الشيطان وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ جمع خطوة بالضم والسكون وهو ما بين القدمين اى لا تسلكوا مسالكه ولا تطيعوه فيما دعاكم اليه من السبل الزائغة والوساوس الباطلة إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة يريد ان يفسد عليكم بهذه الوساوس إسلامكم فَإِنْ زَلَلْتُمْ الزلل في الأصل عثرة القدم ثم يستعمل في العدول عن الاعتقاد الحق والعمل الصائب فالمعنى أخطأتم الحق وتعديتموه علما كان أو عملا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ اى الحجج والشواهد على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على امره لا يعجزه الانتقام منكم حَكِيمٌ لا ينتقم الا بالحق * وفي الآية تهديد بليغ لأهل الزلل عن الدخول في السلم فان الوالد إذا قال لولده ان عصيتني فأنت عارف بي وبشدة سطوتى لأهل المخالفة يكون قوله هذا أبلغ في الزجر من ذكر الضرب وغيره وكما انها مشتملة على الوعيد منبئة عن الوعد أيضا من حيث إنه تعالى اتبعه بقوله حكيم فان اللائق بالحكمة ان يميز بين المحسن والمسيئ فكما يحسن ان ينتظر من الحكيم تعذيب المسيئ فكذلك ينتظر منه إكرام المحسن واثابته بل هذا أليق بالحكمة وأقرب إلى الرحمة هَلْ يَنْظُرُونَ استفهام في معنى النفي ونظر بمعنى انتظر اى ينتظر من بترك الدخول في السلم ويتبع خطوات الشيطان إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ اى الا إتيان اللّه اى عذابه على حذف المضاف لان اللّه تعالى منزه عن المجيء والذهاب المستلزمين للحركة والسكون لان كل ذلك محدث فيكون كل ما يصح عليه المجيء والذهاب محدثا مخلوقا له والإله القديم يستحيل ان يكون كذلك . وسئل على رضى اللّه عنه أين كان تعالى قبل خلق السماوات والأرض قال أين سؤال عن المكان وكان اللّه تعالى ولامكان وهو اليوم على ما كان ومذهب المتقدمين في هذه الآية وما شاكلها ان يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى اللّه لأنه لا يأمن في تعيين مراد